أصل الزراري شرح صحيح البخاري

باب الصلاة في مرابض الغنم

          ░49▒ هذا (باب) حكم (الصلاة في مرابض الغنم) جمع مَربِض؛ بفتح الميم وكسر الموحدة؛ لأنَّه من ربض يربِض؛ مثل ضرب يضرِب، يقال: ربض في الأرض: إذا ألصق بها وأقام ملازمًا لها، واسم المكان: مربض؛ وهو مأوى الغنم، وربوض الغنم مثل بروك الإبل، وفي «الصحاح»: (ربوض الغنم، والبقر، والفرس، والكلب مثل بروك الإبل، وجثوم الطير) .
          والغنم: اسم جنس جمعي؛ كالإبل، يقع على الذكر والأنثى، وإذا صغرتها؛ قلت: غنيمة؛ لأنَّ أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت لغير الآدميين؛ فالتأنيث لازم لها، انتهى، كذا قاله إمام الشَّارحين.
          وزعم العجلوني أنَّ في بعض الأصول: (في مواضع) بدل (مرابض) .
          قلت: والمشهور: الأول، والله أعلم بصحة ذلك؛ لأنَّه لم يَعْزُه لأحد من الرواة، فيحتمل أنَّه تحريف من النساخ، وقد انتهت الجهالة إلى ابن حجر، فزعم أنَّ (مِربض)؛ بكسر الميم، قال إمام الشَّارحين: (وهو غلط منه) انتهى.
          وانتصر العجلوني لابن حجر تعصبًا، فزعم أنَّه يتكلف له بجعله اسم آلة تجوزًا؛ كالمنبر، فلا غلط، انتهى.
          قلت: وهذا فاسد؛ لأنَّ مرابض الغنم: مأواها ومواضعها، وليس آلة للصلاة فيها، كما زعمه، فإنَّ اسم الآلة ما يعمل باليد؛ كالملقط والقدوم، وهذا ليس كذلك، ولا حاجة إلى هذا التكليف الغير الموافق للأصول الصرفية، وقوله: (تجوُّزًا) ممنوع، فإنَّه إذا أمكن العمل بالحقيقة؛ لا يجوز العمل بالمجاز عند المحققين، وقوله: (كالمنبر) ممنوع أيضًا، فإنَّه آلة لرُقيِّ الخطيب عليه، وليس هو مثل المربض، وبينهما فرق بيِّن(1)، وعلى كل حال؛ فما قالاه غلط وفاسد، والعناد بعد ذلك مكابرة؛ فافهم.
          قال إمام الشَّارحين: (وجه المناسبة بين البابين من حيث إنَّ المذكور في هذا الباب بعينه طرفٌ من الحديث المذكور في الباب السابق، لكنَّ المذكور هناك أنَّه ◙ كان يحب الصلاة حيث أدركته إذا دخل وقتها، سواء كان في مرابض الغنم أو غيرها، والمذكور ههنا أنَّه كان يصلي في مرابض الغنم قبل أن يبني المسجد) انتهى.


[1] في الأصل: (فرقًا بينًا) ، وليس بصحيح.