أصل الزراري شرح صحيح البخاري

باب أصحاب الحراب في المسجد

          ░69▒ هذا (باب) حكم لعب (أصحاب الحِراب) بحرابهم (في المسجد)؛ أي: في أي مسجد من المساجد، فـ (أل) فيه: للجنس، و (الحِراب) : بكسر الحاء المهملة: جمع حربة، كالقصاع جمع قصعة، والحِراب أيضًا: مصدر من حارب يحارب محاربة وحرابًا، والمراد هنا الأول، ونصال حرابهم: مشهورة، والمراد من أصحاب الحراب هنا: هم الذين يتشاققون بالسلاح كالحراب ونحوها؛ للاشتداد والقوة على الحرب مع أعداء الدين.
          وما قدَّرنا أولى من تقدير العجلوني الجواز؛ لأنَّ الحكم أعم وأشمل، وكذا هو أولى من تقدير ابن حجر والقسطلاني: جواز دخولهم، كما لا يخفى؛ لأنَّ دخول أصحاب الحراب المسجد لا يسع أحدًا أن يقول: غير جائز، وإنما المقصود هنا: بيان حكم لعبهم بالحراب في المسجد، هل هو جائز أم لا؟ وحديث الباب يدل على جوازه في المسجد وغيره؛ لأنَّه يعين على قتال أعداء الدين.
          وقال المهلب: (المسجد موضوع لأمر جماعة المسلمين، فما كان من الأعمال الجامعة لمنفعة الدين وأهله؛ فهو جائز في المسجد وغيره، واللعب بالحراب من تدريب الجوارح على معاني الحروب، وهو من الاستعداد للعدو، والقوة على الحرب) انتهى.
          وذكر نحوه ابن بطال، وذلك لتكون كلمة الله العليا(1)، وهو على نصرهم إذا يشاء قدير.
          وزعم ابن حجر أن البخاري أشار إلى تخصيص الحديث السَّابق في النَّهي عن المرور في المسجد بالنصل غير معمود، والفرق بينهما: أن التحفظ في هذه الصورة سهل، بخلاف مجرد المرور، فإنَّه قد يقع بغتة، فلا يتحفظ منه، انتهى.
          قلت: وهذا كلام فاسد الاعتبار، فإن البخاري ليس مراده بهذا الباب تخصيص الحديث السَّابق، وليس في كلامه الإشارة إلى ذلك أصلًا، فمن أين علم ذلك؟ بل قصد البخاري في هذا الباب والتَّرجمة: بيان حكم مستقل لا تعلق فيه بما قبله، وما ذكره من الفرق ممنوع؛ لأنَّ التحفظ باللعب بالحراب أمر صعب كما هو مشاهد لكل بصير؛ لأنَّه تارة يقف، وتارة يرجع يمينًا، وتارة شمالًا، وتارة جنوبًا، وتارة خلفًا، ولابد من وجود أناس معهم، فالغالب في ذلك وجود العطب، أما حال المرور في المسجد؛ فالتحفظ ممكن؛ لأنَّه ليس له شيء يشغله، فدائمًا متحفظ وآخذ بالنصل؛ مخافة أن يصيب أحدًا من المسلمين؛ فانظر إلى ما زعمه هذا القائل تجده غير صواب، والله أعلم.


[1] في الأصل: (العلى) ، ولعل المثبت هو الصواب.