أصل الزراري شرح صحيح البخاري

حديث ابن عمر: أنه كان ينام وهو شاب أعزب لا أهل له في مسجد

          440- وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا مسدد) : هو ابن مسرهد البصري (قال: حدثنا يحيى) : هو ابن سعيد القطان، (عن عُبيد الله)؛ بضمِّ العين المهملة؛ مصغرًا: هو ابن عمر العمري (قال: حدثني) بالإفراد (نافع) : هو مولى ابن عمر المدني (قال أخبرني) بالإفراد أيضًا (عبد الله بن عمر) : هو ابن الخطاب القرشي العدوي، وسقط (ابن عمر) لغير أبي ذر: (أنه كان ينام وهو شاب) جملة اسمية حالية (أعزب) نعت لشاب، أو خبر بعد خبر، و (أعزب) : بالهمزة رواية الأكثرين وهي لغة قليلة، بل أنكرها القزاز حيث قال في «الجامع»: (العزب: الذي لا امرأة له، وكذلك المرأة التي لا زوج لها، كل واحد منهما عزب، وعزبة، وقد عزب الرجل يعزب عزوبة فهو عزب، ولا يقال: أعزب) .
          وردَّ أبو إسحاق الزجَّاج على ثعلب في «الفصيح» في قوله: (امرأة عزبة) فقال: (هذا خطأ، وإنَّما يقال: رجل عزب وامرأة عزب، ولا يثنى، ولا يجمع، ولا يؤنث؛ لأنَّه مصدر، قال الشاعر:
يا من يدل عزبًا على عزب                     على فتاة مثل نبراس الذهب)
          والنِبْراس؛ بكسر النون وسكون الموحدة: المصباح.
          والمشهور: عَزَب؛ بفتحتين، كذا ضبطه الدمياطي، وقال صاحب «المنتهى»: (العزب؛ بالتحريك نعت للذكر والأنثى، لكن قد ثبت في رواية أبي ذر: عزِب؛ بكسر الزاي وبدون الهمز) .
          قال البرماوي: (وهي اللغة الفصيحة) .
          وقال الكسائي: (العزبة التي لا زوج لها، والأول أشهر) .
          وقال ابن درستويه: (العامة تقول: عزبة؛ وهو يجوز في المصادر إذا غلبت على الصفة حتى جرت مجرى الأسماء، وليس بالمختار) .
          وفي «المحكم»: (رجل عزب ومعزابة: لا أهل له، وامرأة عزبة وعزب، والجمع «أعزاب»، وجمع العازب: «عزاب»، والعزب: اسم للجمع، وكذلك العزيب: اسم للجمع) .
          وقال في «القاموس»: (العزب؛ محركة: من لا أهل له؛ كالمعزابة والعزيب، ولا تقل: أعزب أو قليل، والجمع «أعزاب»، وهي عزبة وعزب، والاسم العزبة والعزوبة، والفعل كنصر، وتعزَّب: ترك النكاح) .
          وزعم العجلوني: أن في القسطلاني تبعًا «للمصابيح»، وفي رواية أبي زيد: (عزب)، قال: أقول: هو أبو زيد المروزي وهو محتمل؛ فإن القسطلاني ذكره في (الخطبة) انتهى.
          قلت: وهو فاسد؛ لأنَّ العجلوني نقل عن هذه النسخة المصحَّفة، وإنما نسخ القسطلاني جميعها، (ولأبي ذر...) إلخ. وإذا كان صاحب «المصابيح» روى عن أبي زيد؛ لا يلزم أن يكون هو الراوي ههنا؛ فإنَّا لم نعهد رواية عن أبي زيد المروزي ههنا، ولا يلزم من ذكر القسطلاني له في (الخطبة) أن يكون راويًا عن المؤلف ههنا، وليس في ذلك احتمال، كما لا يخفى؛ فافهم.
          (لا أهل له)؛ أي: لا زوجة لابن عمر، وهو إن كان مفهومًا من قوله: (أعزب) إلا أنَّه قد ذكره؛ لأجل التأكيد، أو التأسيس، أو التعميم، فإنَّه من العام بعد الخاص؛ لأنَّ الأهل يشمل الأقارب والزوجة؛ فافهم.
          (في مسجد النبيِّ) الأعظم (صلعم) الجار والمجرور متعلق بقوله (ينام) وقد أخرج المؤلف هذا الحديث في أواخر (الصلاة) في باب (فضل قيام الليل مطولًا)، وفيه: (وكنت غلامًا شابًّا، وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله صلعم...)؛ الحديث، وأخرجه مسلم وابن ماجه، ولفظ مسلم: (كنت أبيت في المسجد ولم يكن لي أهل)، ولفظ ابن ماجه: (كنا ننام في المسجد على عهد رسول الله صلعم)، ففيه: جواز النوم في المسجد لمن هو أعزب غير غريب، وهو قول ابن عمر، وسعيد بن المسيب، والحسن البصري، وعطاء، وابن سيرين، وهو أحد قولي الشافعي.
          ومذهب الإمام الأعظم: أنَّ النوم في المسجد لغير الغريب مكروه؛ لأنَّ المساجد إنَّما بنيت للعبادة لا للنوم، وهو مذهب ابن عبَّاس، فإنَّه قال: (لا تتخذوا المسجد مرقدًا)، وروي عنه أنه قال: (إن كنت تنام فيه لصلاة؛ فلا بأس)، / وقال مالك: (لا أحب لمن له منزل أن يبيت في المسجد)، وبه قال أحمد وإسحاق، وكره النوم فيه: ابن مسعود، وطاووس، ومجاهد، وهو قول الأوزاعي.
          والظاهر: أنَّ نوم ابن عمر فيه كان نهارًا لا ليلًا؛ لأنَّ قوله: (كان ينام)، أو (كنت أنام)، أو (كنا ننام) على اختلاف الروايات؛ محتمل للوجهين؛ أرجحهما: الأول، فلا دلالة فيه على ما ذكر، وسُئِل ابن المسيب وسليمان بن يسار عن النوم فيه فقالا: (كيف تسألون عنه وقد كان أهل الصُفَّة ينامون فيه وهم قوم كان مسكنهم المسجد) .
          قلت: وهذا يدلُّ على الإباحة للغريب الفقير الأعزب، ويدلُّ على كراهته لغيره، كما لا يخفى، وذكر الطبري عن الحسن قال: (رأيت عثمان بن عفان نائمًا فيه ليس حوله أحد، وهو أمير المؤمنين) .
          قلت: لعله كان نائمًا نهارًا لا ليلًا، ويحتمل أنَّه كان ينتظر الصلاة، ومثل النوم فيه الأكل، والشرب، والجلوس؛ فهو مكروه إلا لمعتكف؛ لأنَّ المساجد قد بنيت للعبادة، كما لا يخفى؛ فافهم، والصحيح عند الشافعي: عدم الكراهة، وما ذكرناه حجة عليه؛ فافهم.