أصل الزراري شرح صحيح البخاري

حديث: رأيت سبعين من أصحاب الصفة

          442- وبالسند إليه قال: (حدثنا يوسف بن عيسى) : هو ابن يعقوب المروزي (قال حدثنا ابن فُضَيْل)؛ بضمِّ الفاء وفتح المعجمة؛ مصغرًا: هو محمد بن فضيل بن غزوان أبو عبد الرحمن الكوفي، المتوفى سنة خمس وتسعين ومئة، (عن أبيه) هو فضيل المذكور، (عن أبي حازم)؛ بالحاء المهملة، والزاي: هو سلْمان؛ بسكون اللام: الأشجعي الكوفي المدني.
          قال إمام الشَّارحين: (وأبو حازم هذا أكبر من أبي حازم الذي قبله في السن واللقاء وإن كانا جميعًا مدنيين، تابعيين، ثقتين، ويحتاج الواقف هنا أن يكون على التيقُّظ؛ لئلَّا يقع التلبيس؛ لأجل التشابه) انتهى.
          وذكر نحوه ابن حجر، واعترضه العجلوني فقال: (يفترقان بأنَّ الأول اسمه سلمة بن دينار ويروي عن سهل بن سعد، وهذا اسمه سلمان الأشجعي ويروي عن أبي هريرة؛ فاعرف الامتياز بينهما) انتهى.
          قلت: هذا التفريق يحتاج إلى التأمل والتفحص عن أسماء الرجال، والمؤلف ذكر الأول والثاني بلفظ: (أبو حازم)، ولا ريب أنَّ فيه اشتباهًا، ولا يلزم من رواية الأول عن سهل ألَّا يروي عن أبي هريرة أو بالعكس؛ لأنَّ كلًّا منهما تابعي يروي عن الصحابي، فما زعمه العجلوني ليس في محله، وهو غير ظاهر، كما لا يخفى؛ فافهم.
          (عن أبي هريرة) : هو عبد الرحمن بن صخر؛ الدوسي الصحابي الجليل ☺ أنَّه (قال: رأيت) وفي رواية الأربعة: (لقد رأيت) (سبعين) أي: شخصًا (من أصحاب الصُّفَّة)؛ بضمِّ الصاد المهملة، وتشديد الفاء: موضع في مسجد النبيِّ الأعظم صلعم تأوي إليه الفقراء والمساكين، كما مر.
          وهذا يشعر بأنَّهم كانوا أكثر من سبعين وهو كذلك، ولهذا قال إمامنا الشَّارح: (وهؤلاء الذين رآهم أبو هريرة غير السبعين الذين بعثهم النبيُّ الأعظم ◙ في غزوة بئر معونة، وكانوا من أهل الصُّفَّة أيضًا، لكنَّهم استشهدوا قبل إسلام أبي هريرة) انتهى.
          قلت: وقد جمع ابن الأعرابي، والسلمي، والحاكم، وأبو نعيم: أصحاب الصفة وعند كل منهم ما ليس عند الآخر؛ فيراجع.
          وقوله: (ما منهم رجل عليه رِدَاء)؛ بكسر الراء وفتح الدال المهملتين، والمد: هو ما يستر أعلى البدن، جملة حالية من (سبعين)، ويحتمل أنَّها مستأنفة استئنافًا بيانيًّا؛ فتأمل.
          (إمَّا) بكسر الهمزة؛ للتفصيل (إزار)؛ بكسر الهمزة، والمعجمة والمهملة: هو ما يستر النصف الأسفل من البدن؛ يعني: إمَّا عليه إزار فقط، فـ (إزار) : خبر لمبتدأ محذوف، كما قدرناه (وإِمَّا كِساء)؛ بكسر الهمزة، وكسر الكاف مع المدِّ، لكنَّه على الهيئة المذكورة في قوله: (قد ربطوا)؛ أي: الأكسية، وهي صفة لـ (الكساء) والعائد إليه محذوف للعلم به، تقديره: (ربطوه)، وجمع الضمير في (ربطوا) العائد إلى (الرجل) و (الكساء)؛ لأنَّ المراد به: الجنس؛ كالضمير في قوله: (في أعناقهم)؛ لأنَّ المراد به الجنس، (فمنها)؛ أي: الأكسية، وجمع باعتبار أنَّ المراد بـ (الكساء) الجنس أيضًا (ما يبلغ نصف الساقين) ولم يُثنَّى لفظ: (النصف)؛ للعلم بأنَّ المراد منه التشبيه؛ حيث أضيف إلى الساقين؛ قاله العجلوني.
          قلت: ليس كذلك، فإنَّه لو أريد به التثنية لم تسقط الألف، بل النون فقط للإضافة، فلم يبق علامة تدل على التثنية، بل لفظ: (نصف) مفرد، ولم يُثنِّه؛ للعلم بأنَّ لكل رجل منهم ساقين؛ فافهم
          (ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه)؛ أي: يجمع الواحد منهم الكساء بيده، وزاد الإسماعيلي في روايته: (أنَّ ذلك في حال كونهم في الصلاة) قاله إمامنا الشَّارح، وعزا هذه الرواية القسطلاني للأصيلي، انتهى.
          قلت: والظاهر: أنَّه خطأ، بل هي / رواية الإسماعيلي، كما ذكرها الشَّارحون؛ فافهم
          (كراهية)، بتخفيف التحتية، وفي رواية: (كراهة) بحذفها، وفي رواية: (مخافة)، وهي بالنصب مفعول لأجله (أن تُرى) بضمِّ الفوقية (عورته)؛ أي: من تحت الإزار والكساء، والمعنى: أنَّه لم يكن لأحد منهم ثوبان، ويدلُّ عليه قول جابر بن عبد الله: (وأيُّنا كان له ثوبان على عهد رسول الله صلعم؟)، كما سبق في باب (عقد الإزار على القفا) .
          ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: (من أصحاب الصفة)؛ لأنَّه يشعر بأنَّهم كانوا ينامون فيها، واستوطنوها.
          وفيه: جواز النوم للفقير الغريب الأعزب في المسجد، وهو يفيد أنَّه يكره النوم في المسجد للمتزوج، وكذلك من له مسكن، وهو كذلك؛ فإنَّ المساجد إنَّما بنيت للعبادة؛ كصلاة، وتلاوة قرآن، وتدريس فقه أو حديث ونحوها مما لم يشغل المصلين، فما يفعله بعض المتصوفة: من إقامة الأذكار في المساجد مع رفع الصوت والتغني؛ فهو أمر منكر مذموم لا أصل له في السنة، بل هو بدعة منكرة، كيف وقد ثبت عن صاحب الرسالة العظمى والنبوة الكبرى: «خير الذكر الخفي، وخير الرزق ما يكفي»؛ فيجب على كل من له قدرة أن يغير المنكرات، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
          وفي الحديث: افتراض ستر العورة في الصلاة وخارجها، وفيه: جواز الأكل والشرب في المسجد للغريب والفقير الأعزب؛ كالهنود، والأغوان الذين في رواق المسجد الأموي في ديارنا الشريفة الشامية.