الجمع بين الصحيحين للحميدي مع تعقبات الضياء المقدسي

حديث: مروا أبا بكر يصلي بالناس

          3222- الثَّاني والسَّبعون: عن هشام بن عروةَ عن أبيه عن عائشَةَ: «أنَّ رسول الله قال في مرضِه: مُروا أبا بكرٍ يصلِّي بالنَّاس. قالت عائشةُ: قلت: إنَّ أبا بكرٍ إذا قام في مقامِك لم يُسمِعِ النَّاسَ من البكاء، فمُرْ عمرَ فليُصلِّ بالناس، فقال: مُروا أبا بكرٍ فليُصلِّ بالنَّاس. فقالت عائشةُ: فقلت لحفصةَ: قولي له: إنَّ أبا بكرٍ إذا قام في مقامِك لم يُسمِع النَّاسَ من البكاء، فمُر عمرَ فليُصلِّ بالنَّاس، ففعلت حفصةُ، فقال رسول الله: إنكُنَّ لَأنتُنَّ صواحبُ يوسفَ! مُروا أبا بكرٍ فليُصلِّ بالنَّاس. فقالت حفصةُ لعائشةَ: ما كنتُ لأُصيبَ منكِ خيراً». [خ¦679]
          ولهما من حديث ابنِ نُمَير عن هشام عن أبيه عن عائشَةَ قالت: «أمَر رسول الله أبا بكرٍ أن يصلِّيَ بالنَّاس في مرضه، فكان يصلِّي بهم، قال عروةُ: فوجد رسول الله من نفسِه خِفَّةً فخرج، وإذا أبو بكرٍ يؤمُّ النَّاسَ، فلما رآه أبو بكرٍ استأخر، فأشار إليه رسول الله أنْ كما أنت، فجلس / رسول الله صلعم حِذاءَ أبي بكرٍ إلى جنبه، فكان أبو بكرٍ يصلِّي بصلاةِ رسول الله، والنَّاسُ يصلُّون بصلاة أبي بكرٍ». [خ¦683]
          وأخرجاه من حديث الأسودِ بن يزيدَ بن قيسٍ النَّخعيِّ قال: كنَّا عند عائشةَ فذكرنا المواظبةَ(1) على الصَّلاة والتَّعظيمَ لها، قالت: «لمَّا مرِض النَّبيُّ مرضَه الذي مات فيه، فحضرتِ الصَّلاةُ فأُذَّنَ، فقال: مُروا أبا بكرٍ فليُصلِّ بالناس. فقيل له: إنَّ أبا بكرٍ رجلٌ أَسِيفٌ(2) إذا قام مقامك لم يستَطِع أن يصلِّي بالنَّاس، وأعاد، فأعادوا له، فأعاد الثالثةَ، فقال: إنكُنَّ صواحبُ يوسفَ! مُروا أبا بكرٍ فليُصلِّ للناس. فخرج أبو بكرٍ يصلِّي، فوجد النَّبيُّ من نفسه خِفةً، فخرج يُهادى بين رجلين كأني أنظُر رجليه تَخُطان من الوَجَع، فأراد أبو بكرٍ أن يتأخَّر، فأومأ إليه النَّبيُّ أنْ مكانَك، ثم أتيا به حتى جلس إلى جنبه».
          قيل للأعمش: «فكان النَّبيُّ يصلِّي وأبو بكرٍ يصلِّي بصلاته والناسُ يصلون بصلاة أبي بكرٍ؟ قال برأسه: نعم». [خ¦664]
          لفظُ حديثِ البخاريِّ. قال البخاريُّ: وزاد أبو معاويةَ: «جلس عن يسار أبي بكرٍ، وكان أبو بكرٍ قائماً».
          وقد أخرج البخاريُّ حديثَ أبي معاويةَ بالإسناد.
          وفيه: «جاء بلالٌ يُؤذِنُه بالصَّلاة، فقال: مُروا أبا بكرٍ يصلِّي بالنَّاس. قالت: فقلتُ: يا رسولَ الله؛ إنَّ / أبا بكر رجلٌ أَسِيفٌ، وإنَّه متى يقومُ(3) مقامَك لا يُسمِعُِ الناسَ، فلو أمرتَ عمرَ، فقال: مُروا أبا بكر يصلِّي بالناس». ثم ذكر قولَها لحفصةَ وقولَ رسول الله: «إنكُنَّ لَأنتُنَّ صواحبُ يوسفَ»! و«أنَّه ◙ وجد خِفةً فخرج ثم ذكر إلى قوله: حتى جلس عن يسار أبي بكرٍ، فكان أبو بكرٍ يصلِّي قائماً، وكان رسول الله يصلِّي قاعداً، يقتدي أبو بكرٍ بصلاة رسول الله، والناسُ بصلاة أبي بكرٍ». [خ¦713]
          وفي حديث عبد الله بن داودَ عن الأعمش نحوُه، وفيه: «إنَّ أبا بكرٍ رجل أَسيفٌ، إن يقُم مقامَك يبكِ فلا يقدِرُ على القراءة»، ولم يذكُر قولَها لحفصةَ، وفي آخره: «فتأخَّر أبو بكرٍ، وقعد النَّبيُّ إلى جنبِه، وأبو بكر يُسمِع النَّاسَ التكبيرَ». [خ¦712]
          قال البخاريُّ: تابعه محاضِرٌ عن الأعمش.
          ولهما من حديث ابنِ شهابٍ عن عُبيدِ الله بن عبد الله بن عُتبةَ بن مسعودٍ أنَّ عائشةَ قالت: «لقد راجعتُ رسول الله في ذلك، وما حملني على كثرة مراجعتِه إلا أنَّه لم يقعْ في قلبي أن يُحبَّ الناسُ بعدَه رجلاً قام مقامه أبداً، وإنِّي كنتُ أرى أنه لن يقوم مقامَه أحدٌ إلا تشاءمَ الناسُ به، فأردتُ أن يَعدِل ذلك رسول الله عن أبي بكرٍ». / [خ¦4445]
          وأخرجاه من حديث الزُّهريِّ عن حمزةَ بن عبد الله بن عمرَ عن عائشَةَ قالت: «لمَّا دخل النَّبيُّ بيتي قال: مُروا أبا بكرٍ فليُصلِّ بالناس. قالت: فقلتُ: يا رسولَ الله؛ إنَّ أبا بكرٍ رجلٌ رقيقٌ إذا قرأ القرآنَ لا يملكُ دمعَه، فلو أمرتَ غيرَ أبي بكرٍ، قالت: فوالله ما بي إلا كراهيةُ أن يتشاءمَ النَّاسُ بأوَّل من يقوم في مقام رسول الله، قالت: فراجعته مرَّتين أو ثلاثةً، فقال: ليُصلِّ بالناس أبو بكرٍ، فإنكُنَّ صواحبُ يوسفَ!». [خ¦682]
          وليس لحمزةَ عن عائشَةَ في «الصحيح» غيرُ هذا الحديث.
          قال أبو مسعودٍ الدمشقيُّ: ورواه ابنُ المبارك عن معمرٍ ويونسَ عن الزُّهريِّ عن حمزةَ مرسلاً.
          وأخرجا خروجَه في مرضه بين رجُلين وما يتَّصلُ به من حديث الزُّهريِّ عن عُبيدِ الله بن عبد الله ابن عتبةَ بن مسعودٍ أنَّ عائشةَ قالت: «لما ثقُل النَّبيُّ واشتدَّ به وجعُه استأذنَ أزواجَه أن يمرَّضَ في بيتي، فأذِنَّ له، فخرج النَّبيُّ بين رجلين تخُطُّ رجلاه في الأرض، بين العباسِ بن عبدِ المطلبِ ورجلٍ آخرَ».
          قال عُبيد الله: فأخبرتُ عبد الله بنَ عباسٍ بالذي قالت عائشةُ، فقال: أتدري مَن الرجلُ الآخرُ؟ قلت: لا، قال: هو عليُّ بن أبي طالب.
          قال: فكانت عائشةُ تُحدِّث أنَّ النَّبيَّ قال بعدما دخل بيتي واشتدَّ وجعُه: هَريقوا عليَّ من سبعِ قِرَب لم تُحلَّ أوكيتُهنَّ(4)، لعلي أعهدُ إلى النَّاس. / فأجلسناه في مِخْضَبٍ لحفصةَ زوجِ النَّبيِّ، ثم طَفِقنا نصُبُّ عليه من تلك القِرب، حتى طفِق يُشيرُ إلينا بيده أن قد فعَلتُنَّ، قالت: «ثم خرج إلى الناس فصلَّى بهم وخطبَهم». [خ¦198]
          وفي حديث مَعْمرٍ عن الزُّهريِّ عن عُبيد الله أنَّ عائشةَ أخبرتْه قالت: «أولُ ما اشتكى رسول الله في بيت ميمونةَ، فاستَأذَن أزواجَه أن يُمرَّض في بيتي، فأذِنَّ له، قالت: فخرج ويدٌ له على الفضل بنِ عباس، ويدٌ له على رجل آخرَ، وهو يخُطُّ برجليه الأرضَ» وذكر قولَ ابن عباسٍ أنَّ الرجلَ الآخرَ عليُّ بن أبي طالب.
          وأخرجاه جميعاً بإسنادٍ واحدٍ من حديث موسى بنِ أبي عائشةَ عن عُبيد الله بن عبد الله قال: دخلتُ على عائشةَ فقلتُ لها: «ألا تُحدِّثيني عن مرض رسول الله؟ قالت: بلى.
          ثقُل النَّبيُّ فقال: أَصَلَّى النَّاسُ؟ قلنا: لا، هم يَنتظِرونك يا رسولَ الله؛ قال: ضَعوا لي ماءً في المِخْضَب(5). قالت: ففعلنا، فاغتسل ثم ذهب ليَنُوءَ(6) فأُغميَ عليه، ثم أفاق، فقال: أَصَلَّى النَّاسُ؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسولَ الله؛ قال: ضعُوا لي ماءً في المِخْضبِ، ففعلنا، فاغتسل ثم / ذهب ليَنُوءَ فأُغميَ عليه، ثم أفاق، فقال: أصلَّى الناسُ؟ قلنا: لا(7)، وهم ينتظرونك يا رسولَ الله(8) ؛ قال: ضَعوا لي ماءً في المِخْضَب. ففعلنا، فاغتسل ثم ذهب ليَنُوءَ فأغمي عليه، ثم أفاق، فقال: أَصلَّى النَّاسُ؟ قلنا: لا، وهم ينتظرونك يا رسولَ الله؛ قالت: والناسُ عُكوفٌ في المسجد ينتظرون رسول الله لصلاة العشاءِ الآخرةِ.
          قالت: فأرسل رسول الله إلى أبي بكرٍ أن يُصلِّي بالنَّاس، فأتاه الرسولُ فقال : إنَّ رسول الله يأمرُك أن تصليَ بالنَّاس، فقال أبو بكرٍ _وكان رجلاً رقيقاً_ : يا عمرُ صلِّ بالنَّاس، قال: فقال عمرُ: أنت أحقُّ بذلك، قالت: فصلَّى بهم أبو بكرٍ تلك الأيَّامَ.
          ثم إنَّ رسول الله وجد من نفسه خِفَّةً، فخرج بين رجلين _أحدُهما العباسُ_ لصلاة الظهرِ وأبو بكرٍ يصلِّي بالنَّاس، فلما رآه أبو بكرٍ ذهَب ليتأخَّرَ فأومَأ إليه النَّبيُّ أن لا يتأخَّرَ، وقال لهما: أجلِساني إلى جنبه، فأجلساه إلى جنب أبي بكرٍ. فكان أبو بكرٍ يصلِّي وهو يأتَمُّ بصلاة النَّبي، والنَّاسُ يصلون بصلاة أبي بكرٍ، والنَّبيُّ قاعد».
          قال عبيد الله: فدخلت على عبد الله بنِ عباسٍ فقلت: ألا أعرِضُ عليك ماحدَّثَتني عائشةُ عن مرض النَّبيِّ؟ قال: هاتِ، فعرضْتُ حديثَها عليه فما أنكر منه شيئاً، غيرَ أنَّه قال: أَسَمَّتْ لك الرجلَ الذي كان مع العباس؟ قلتُ: لا، قال: هو عليٌّ وعنهم أجمعين(9). [خ¦687]


[1] المواظبة على الشيء: المداومةُ عليه.
[2] الأسِيف: السريعُ الحُزنِ والبكاء، وهو الأسُوف أيضاً، والآسِف بغير ياء الغضبان، والأسيفُ بالياء في غير هذا: العبدُ والتابع والأجير.(ابن الصلاح نحوه).
[3] كذا وقع بالرفع، وكتب فوقها في (ابن الصلاح): (يقومُ..يسمعُ: كذا فيهما).وجعله ابن هشام من إهمال (متى) إجراءً لها مُجرى (إذا).«مغني اللبيب» 1916.
[4] الوِكاءُ: السَّير، أو الخيطُ الذي يُشد به رأسُ القِربة أو الصُّرَّة.
[5] المِخْضَب: كالإجَّانَة.(ابن الصلاح).
[6] أي لينهض.(هامش ابن الصلاح).
[7] سقط قوله: (لا) من (ظ)، وما أثبتناه موافق لما في «الصحيحين».
[8] انتقل نظر ناسخ (ت) إلى (يا رسول الله) التالي فسقط ما بينهما.
[9] في هامش (ابن الصلاح): (بلغوا سماعاً في المجلس السابع عشر).أخرجه البخاري ░687▒، ومسلم ░418▒ من طريق زائدة عن موسى بن أبي عائشة عن عبيد الله به.