الجمع بين الصحيحين للحميدي مع تعقبات الضياء المقدسي

حديث: ما أنا بقارئ

          3182- الثَّاني والثَّلاثون: عن الزُّهريِّ _من رواية عُقيل عنه_ عن عُروَةَ عن عائشَةَ إنَّها قالت: «أوَّلُ ما بُدئَ به رسول الله من الوحي الرؤيا الصَّالحةُ في النَّوم، وكان لا يَرى رُؤيا إلَّا جاءت مثلَ فلَقِ الصُّبح، وحُبِّبَ إليه الخَلاءُ، وكان يخلو بغارِ حِراءٍَ فيَتحنَّث(1) فيه _وهو التعبُّدُ_ اللَّياليَ ذواتِ العدد قبل أن ينزِع إلى أهله ويتزوَّد لذلك، ثم يرجع إلى خديجةَ فيتزوَّدُ لمثلها، حتى جاءَه(2) الحق _وفي رواية: حتى فَجِئَه الحقُّ_ وهو في غارِ حِراءٍَ، فجاءه المَلَك، فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئٍ، قال: فأخذني فغطَّني(3) حتى بلَغ منِّي الجَهدَُ، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، قال: فأخَذني فغطَّني الثَّانيةَ حتى بلَغ منِّي الجَهْدَُ، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخَذني فغطَّني الثالثةَ حتى بلَغ منِّي الجَهدَُ، ثم أرسلني، فقال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ...} حتى بلَغ.. {مَا لَمْ يَعْلَمْ}[العلق:1-5]» فرجع بها رسولُ الله يرجُفُ فؤادُه(4)، فدخل على خديجةَ بنتِ خُويلدٍ فقال: زمِّلوني(5) زمِّلوني. فزمَّلوه حتى ذهب عنه الرَّوعُ(6)، فقال لخديجةَ وأخبرها الخبرَ: لقد خشِيتُ على نفسي. فقالت له خديجةُ: كلَّا أبشِر، فوالله ما يُخزيك الله أبداً! إنَّك لتَصلُ الرَّحمَ، / وتصدُقُ الحديثَ، وتَحمل الكَلَّ(7)، وتَكسِب المعَدومَ(8)، وتَقرِي الضيفَ، وتُعينُ على نوائب الحقِّ، فانطلقتْ به خديجةُ حتى أتتْ به ورقةَ بن نوفلِ بن أسَدِ بن عبدِ العُزَّى بن قصيٍّ، وهو ابنُ عمِّ خديجةَ أخي أبيها، وكان امرأً تَنصَّر في الجاهليَّة، وكان يكتب الكتابَ العبرانيَّ، فكتَب من الإنجيل بالعبْرانية ما شاء الله أن يكتبَ، وكان شيخاً كبيراً قد عَمِيَ، فقالت له خديجةُ: يا بن عمِّ؛ اسمعْ من ابنِ أخيك، فقال له ورقةُ: يا بن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله خبرَ ما رأى، فقال له ورقةُ: هذا الناموسُ(9) الَّذي نزَّل الله على موسى، يا ليتني فيها جَذَعاً(10)، ليتني أكونُ حيَّاً إذ يُخرجُك قومُك! فقال رسول الله صلعم: أوَ / مُخرِجيَّ هم! قال: نعم، لم يأت رجل قطُّ بمثل ما جئت به إلَّا عُودي، وإن يُدرِكْني يومُك حيَّاً أنصرْك نصراً مؤزَّراً(11)، ثم لم يَنشَب(12) ورقةُ أن توفِّي، وفتر الوحيُ. [خ¦3]
          قال البخاريُّ: وتابعه هلالُ بن ردَّاد عن الزُّهريِّ، وقال يونس ومَعمرٌ: «بوادره(13)».
          وفي حديث معمر عن الزُّهريِّ عند مسلم: «فوَالله لا يُحزِنُك الله أبداً» بالحاء والنون.
          انتهى حديث عُقيل المفرد عنِ ابن شهابٍ(14) إلى حيث ذكرنا، وزاد عند / البخاريِّ في حديثه المقترن بمعمرٍ عن الزُّهريِّ في آخره فقال: «وفتر الوحيُ فترةً حتى حزن النَّبيُّ _فيما بلَغَنا_ حزناً غدا منه مِراراً حتى يتردَّى(15) من رؤوس شواهقِ الجبال(16)، فكلما أوفى بذِرْوَة جبل(17) لكي يُلقي نفسَه منه تبدَّى له(18) جبريلُ فقال: يا محمد! إنَّك رسول الله حقَّاً، فيَسكن لذلك جأشُه(19) وتَقِرُّ نفسُه، فإذا طالت عليه فترةُ الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذِرْوَة جبلٍ تبدَّى له جبريلُ فقال مثلَ ذلك». [خ¦6982]


[1] كان يتحنَّث: أي؛ يتعبد، أي: يفعل فعلاً يخرج به من الحِنْث، أي: من الإثم، كما يقال: يتأثَّم، أي: يلقي الإثمَ عن نفسه، ومُتحرِّج، أي: يجتنب ما يوجب الحرج، والحرجُ الضيق.(ابن الصلاح نحوه).
[2] في (ت): (جاء)، وما أثبتناه موافق لما في البخاري.
[3] غَطَّه: حطَّه بشدة يقال: غطه في الماء، إذا أفرطَ في حَطِّه فيه.(ابن الصلاح نحوه).
[4] يَرجُف فؤاده: يضطرب.
[5] زمِّلوني ودثِّروني: واحد، وكل شيء قد لُفِّف في شيء: فقد زُمِّل.
[6] الرَّوع: الفزَع.
[7] تحمل الكلَّ: من الأثقال، والحوائج المهمة والعيال، وكل ما يُتكلَّف ويثقل حمله؛ فهو كَلٌّ.(ابن الصلاح نحوه).
[8] وتُكسِب المعدوم: منهم من جعل الكسب لنفسه، وأنه يصل إلى كل شيء معدوم، فلا يتعذر عليه لبعده، وقيل: يكسب المعدوم؛ أي: يعطيه غيره، ويوصِله إلى من هو معدوم عنده، يقال: كسبت مالاً، وكسبت زيداً مالاً؛ أي: أعنته على كسبه، ومنهم من عدَّاه بالألف، فقال: أكسبتُ زيداً مالاً، وأنشد: (وأكسبَني مالاً وأكسبته حمداً)، وهذا الوجه أولى من الأول، وأشبه بما قبله في باب التفضيل والإنعام؛ إذ لا إنعام، ولا تفضُّل في أن يكسب هو لنفسه مالاً كان معدوماً عنده، وباب الحظ والسعادة في الاكتساب غير باب التفضُّل والإنعام.(ابن الصلاح نحوه).
[9] الناموس: صاحب سِرِّ المَلِك الذي لا يحضر إلا بخير، ولا يُظهر إلا الجميل، ويقال: نامسَه يُنامسُه منامسة إذا سارَّه، وسمي جبريل عليه السلام ناموساً؛ لأنه مخصوص بالوحي والغيب اللذين لا يطلع عليهما غيره.(ابن الصلاح نحوه).
[10] في (ابن الصلاح): (جذَعٌ)، وما أثبتناه من (ت) و(ظ) موافق لنسخنا من الصحيحين.يا ليتني فيها جَذَع: فيها يعني في نبوة محمد يقول: يا ليتني كنت جَذَعاً؛ أي: شاباً فيها يعني حين تظهر نبوته فأبالغَ فيها نُصْرةً بقوة الشباب، والجَذَع من البهائم قبل أن تُثَنِي بسنة، ويقال: الدهر جذَعٌ أبداً؛ أي: هو شاب لا يهرم، ويقال لولد المعز أولَ سنة: جدي، والأنثى عناق، فإذا أتى عليه حول فالذكر تيس، والأنثى عنز، ثم جذع في السنة الثانية، ثم ثَنِيٌّ ثم رَباع.
[11] النصْر المؤَزَّر: المؤكد القوي.(ابن الصلاح نحوه).
[12] فلم يَنشَب: أي؛ لم يلبث، كأنه فجَأهُ الموت قبل أن ينشب في فعل شيء، كناية عن عجلة ذلك وسرعته.(ابن الصلاح نحوه).
[13] البوادر من الإنسان وغيره: اللَّحمة التي بين العنق والمنكب، الواحدة بادرة، والشاهدُ في أنَّه قد يقال في الحيوان قولُه:
~وجاءت الخيلُ محمودٌ بوادرُها .....................
زاد في (ابن الصلاح): (سع: ترجف).
[14] كتب فوقها في (ابن الصلاح): (سع).
[15] التردِّي: التهور، وهو وقوعٌ من عُلْوٍ إلى سُفلٍ.(ابن الصلاح).
[16] جبل شاهِق: أي عال، وجبال شواهق.(ابن الصلاح نحوه).
[17] ذِروَة الجبل: أعلاه.(ابن الصلاح نحوه).
[18] فيَسكن لذلك جأشُه: أي يسكُن ما ثار من فَزَعه، وهاج من حُزنه.(ابن الصلاح نحوه).
[19] تبدَّى له: أي ظهر له.(ابن الصلاح).وفي (ظ): (تبدَّى له جبريل بمثل ذلك).